الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

61

شرح ديوان ابن الفارض

[ الاعراب والمعنى ] « يحيا » أصله يحيى على وزن يعلم وفعله كرضي يرضى . وضمير بها للتحية . و « من » اسم موصول . و « يحسب » بكسر السين وفتحها بمعنى يظنّ . و « المزح » الدعابة . و « المزاح » بضم الميم بمعنى المزح أيضا . والذي في آخر البيت بضم أيضا اسم مفعول من أزحت الشيء أزلته من موضعه بها متعلق بيحيا ومن فاعله . و « كان » اسمها ضمير يعود إلى من . وجملة « يحسب هجركم مزحا » من الفعل والفاعل المستتر فيه مفعوليه بعده في محل نصب على أنها خبر كان . وكان مع الاسم والخبر لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول . قوله « يعتقد » معطوف على يحسب وله أيضا مفعولان وهما المزاح ومزاحا أي كان يظن هجركم له من باب مداعبة الإخوان للإخوان وكان يجزم ويعتقد أن المزاح مزاحا لا أصل له ولا وجود له في التأثير فظهر الأمر بخلاف ذلك إذ قد تبين أن هجركم قاتل فلو كان دعابة لم يؤثر ولذلك طلب التحية التي توجب له الحياة وذلك يقتضي أنه مات بالهجر الذي كان يظنه مزحا ومزاحا مزالا ذاهبا عن أصله لا واقعا في محله فتبين أن الأمر ليس كما كان يحسب ويعتقد ولا هو كما كان يتفرس ويعتمد ( وما أحسن قول من قال وأجاد في المقال ) : الحب أول ما يكون مجانة * فإذا تمكن كان شغلا شاغلا ( وما ألطف قول الآخر ) : وسألتها بإشارة عن حالها * وعليّ فيها للوشاة عيون فتنفست كمدا وقالت ما الهوى * إلا الهوان وزال منه النون وفي البيت جناس محرف بين مزاحا والمزاح « 1 » . ( ن ) : والمعنى أن تلك التحية إنما يحيا بها الإنسان الذي يظن هجركم له وإعراضكم عنه دعابة منكم وملاعبة معه ويقطع ويجزم بأنّ المداعبة بعيدة منكم ذاهبة زائلة غير لائقة بجنابكم وهذا شأن الغافل المحجوب إذا جاءته تحية منكم أي وصل إليه الكشف المكري والإمداد الاستدراجي يظن أن هجركم له مداعبة ويعتقد مع ذلك أن المداعبة والممازحة بعيدة عنكم لا تليق بجنابكم وتقدير معنى البيت وأما نحن فإنا لا نحيا بتلك التحية وإنما نموت فيها فيظهر أنّ الحي بها أنتم لا سواكم فإن من يحيا بها يعتقد الثنوية والشركة معكم في الوجود وفي الحياة وهو الغافل المغرور . اه .

--> ( 1 ) قوله : جناس محرف لا يظهر إلا إذا قرىء المزاح الأول بالكسر مصدر مازحه ، والثاني بالضم وهو خلاف ما قرّره أوّلا .